|
في إحدى الجلسات الشعرية للشاعر الراحل بولس سلامه،
لاحظ
وقوفَ شابٍّ على الشباك يَسترقُ السّمعَ إلى ما يُلقى من
الشعر، تحت حرارة شمس تَلذعُ كالجمر. خاطب بولس سلامه
مَن حوله قائلاً: "أَدخِلوا هذا العامِليّ"!
أجل، عرف بولس سلامه فورًا أنّ هذا الشّابَّ هو من جبل
عامل، لأنّ العامليين وحدَهم، أو ربما أكثرَ من غيرهم،
على استعداد أن يقفوا تحت شمس حارقة والتعرّض للهَبِها
للاستماع إلى
بيتِ شعر.
في الجنوب اليوم، جلسات شعر أسبوعية عديدة، بعضها
ابتدأ منذ ما يزيد على السبع سنوات، وما يزال مستمرًّا بالحرارة
ذاتها والزّخم عينِه حتى اليوم.
ماذا يحصل في هذه الجلسات يا تُرى؟!
بدايةً، ولكي لا أُضيعَ المقدمةَ سُدىً، أشيرُ إلى أنّ معظم
مُرتادي هذه الجلسات يأتون من مسافةٍ تزيد عن الأربعين
كيلومترًا، بوقت لا يقل عن الأربعين دقيقةً ليصلوا إلى جلسة
شعريةٍ، يكون لهم فيها حظ الاستماع إلى خمسة أو ستة شعراء.
أَشهَرُ هذه الجلسات، جلسة "العِلّيـّة" في دارة السيد مصباح
الأمين في بلدة مجدل سلم الجنوبية،
تحت
رعاية والدِه العلاّمة السيد أحمد شوقي الأمين. عمادُ هذه
الجلسة الكرم؛ كرمٌ من جانبَين: من جانب هذا البيتِ الذي لا يملّ
السخاءَ ولا يَسأمُ العطاء. وكرمٌ آخَر هو كرمُ قرائح الشعراء،
التي تجود وتجود دون مَللٍ ولا نُضوب.
ولوجود
العلامة
المفكّر والشاعر السيد محمد حسن الأمين طَعمٌ
مختلف،
أشبه
بميزانِ ذهبٍ يروزُ المعاني
ويقيس الإبداع بالميللغرام.
***
وهناك جلسة "هجرة وهجير" في دارة الشاعر الثمانيني
أحمد
سعد "أبي عصام"، في قرية معركة الذي أكلتِ الغربةُ من
أعوامِه ما أكلتْ.
***
أما
جلسة "منتـزه الجزيرة" على نهر الليطاني، في ضيافة "أبي علي عيّاد"
فلها طعمٌ مختلف؛ طعم المياه المطعَّمة بلون الشجر، ومذاقُ الصفصاف
والحَور والكينا، ونكهة الطبيعة الصَّرفة. هناك الشاعر الحقيقيّ هو
النهر؛ اللسانُ البليغُ الذي يرتِّل أغنياتِ الجنوب.
***
نَجْمُ هذه الجلسات دون منازع الشاعر الزّجَليّ يوسف قانصو،
وهو شاعر ذو قدرة لا نظير لها على الارتجال، وبه تُناطُ مَهمّة
تقديم الشعراء.
معظم شعراء هذا الجلسات يكتبون الشعر العموديّ سواءً باللغة
الفصيحة أو باللغة العاميّة. فالجنوبيون يأنسون لإيقاع
الفراهيديّ؛ إنه إيقاع يشبههم، يُشبه خلجاتِهم النفسية، ويقول
ما يريدون قوله.
***
ولا أنسى جلسة الحركة الثقافية في لبنان، التي تقام بعد ظهر
كلِّ جمعة في مركز باسل الأسد الثقافي، وفي هذه الجلسة تتّسع
مساحات الحرية في اعتماد الشكل الشعريّ الذي يرغب به
المشارك. ربما تكون هذه الحرية ناتجةً عن كون هذه الجلسة
تُعقَدُ في "مدينة". في هذه الجلسة التي يُشرف على انعقادها
الشاعر الصديق باسم عباس، وآخرون، يستمتع المشارك
بالآراء المتنوعة والمختلفة فعلاً. وكم كاتبٍ وشاعرٍ كان يشارك
بحياء، ثم ما لبث أنْ شبّ في هذه الجلسة وأصدر ديوانًا شعريًّا
أو روايةً.
هذه الجلسات هي امتداد طبيعيّ لتاريخ جبل عامل في علاقته مع
"اللغة". نحن لا نفعل إلاّ أننا نكرّس عقدَنا الجماليّ وعلاقتنا مع
الشعر الذي نَبَتَ في ضلوعنا وأحداقِنا، ورُحنا نُلوِّح به في وجه
القلق والموت، لأنه كائنٌ من ذَهبِ الأمل وفِضّةِ الشعور.
فاروق شويخ
www.faroukshweikh.com |